الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي

112

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن

ثانيا : قال تعالى : يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ المائدة : 19 ] . نص هو في غاية البيان أنه صلى اللّه عليه وسلم أرسل لليهود والنصارى ، وليس معنى إرساله إليهم إلا أن يؤمنوا بما جاء به من توحيد خالص ، ويعبدوا اللّه على شريعته التي رسمها وبينها من صلاة وصيام ، وما إلى ذلك ، وما أروع قوله في الآية الكريمة : أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ ، فهو يدل على أنهم فيما هم عليه من شريعة حرّفوها ، ودين أضاعوه في أمس الحاجة إلى بيان شاف ، وإيضاح للحق كامل ، فمعنى الآية هو الامتنان عليهم بأن الرسول بعث إليهم حين انطماس آثار الوحي ، وهم أحوج إليه لإزالة العذر ، وإلزام الحجة ، فعليهم أن يعوا ذلك نعمة من اللّه عليهم ، ورحمة منه بهم . ثالثا : قال تعالى : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [ المائدة : 68 ] . بعد أن أمرهم اللّه تعالى في الآيتين السابقتين باتباع محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وبين لهم أنه صلى اللّه عليه وسلم إنما جاء لهم ليصحح العقيدة ، ويرشدهم إلى السبيل السوى ، قال لهم في هذه الآية الكريمة : أن ما هم عليه من دين باطل لا يعتد به إطلاقا ، حتى يكون ذلك حافزا لهم إلى الدخول في دين محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فإن المرء يأنف أن يكون على عقيدة باطلة ، أو عبادة فاسدة ، ما دام سليم الطبع ، بعيدا عن التعصب والتمسك بالباطل ، فقوله تعالى : لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ أي يعتد به حتى يسمى شيئا لفساده وبطلانه ، كما تقول : هذا ليس بشيء ، تريد تحقيره وتصغيره ، وفي أمثالهم : أقل من لا شئ . حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ، أي بأن تعملوا بما فيها ، ومنها الإيمان بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، والإذعان لحكمه ، فإن الكتب الإلهية بأسرها آمرة بالإيمان بمن صدقته المعجزة الناطقة بوجوب الطاعة له ، والمراد بقوله : وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ هو القرآن الكريم ، وما أبدع قوله : وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ، يعنى فالقرآن أنزل إليهم ولهم ، وهم مقصودون به ضمن من قصد ، ومطالبون بالعمل بأحكامه ضمن من طلب إليه ذلك من بقية المكلفين . وأما قوله : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ . . . إلى آخره ، فهو بيان لما هم عليه من كفر